حين نتحدث عن التأريخ فهو ليس مُجرد حقائق و روايات و قصص رجال ماتوا قبل مئاتِ السنين، بل الهدف الحقيقي هو زرع الثقة والأمل في جيل تشبع بأبطال غيره، فعندما ندرسُ سير هؤلاء الأبطال، كيف كانت انطلاقَتِهم؟ وكيف وصلوا إلى مبتغاهم؟... حينها بالتأكيد سنكون قادرين على صنع جيلٍ مثلهم.
من الطبيعي أن كل دولة تمر بمراحل عديدة( قوة، ضعف، انهيار) مخلفة ورائها تأريخاً غنياً بالأمجاد، فما هي أمجاد الدولة الجزائرية قبل الاستدمار الفرنسي؟! وإلى أي مدى يمكننا الاستفادة من هذا التاريخ العظيم؟
رغم أن الجزائر تمتلك تأريخاً حافلاً بالعظمة والقوة إبتداءاً من الإمبراطوية القرطاجية والممالك النوميدية والدول الإسلامية التي نشأت على أرضها، ووصولاً لإيالة الجزائر في العهد العثماني، ونهاية بالدولة الجزائرية الحديثة التي طمست تأريخاً عظيماً كانت تهابه أعظم دول العالم.
ولعل التكنولوجيا بمختلف وسائلها قد أثرت في الشعب الجزائري بمختلف أطيافه وجعلته يهمل دراسة تأريخه دراسة معمقة ويستخلص تلك الدروس والعبر، فأغلب الأعياد الوطنية لا تمت للتأريخ الجزائري قبل الاستدمار بأي صلة وكأن تأريخنا بدء من سنة 1830م، فنحن لم نكن تحت إستدمار فرنسي دام لـ 132 سنة فقط، ولكننا كنا أول دولة إعترفت بالحكومة الفرنسية عام 1789م، وكذالك اعترافنا بدولة الولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلالها عن التاج البريطاني عام 1776م.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كانت أعظم الدول تدفع الضرائب والإتاوات لإيالة الجزائر العظيمة سيدة البحر الأبيض المتوسط، فالولايات المتحدة الأمريكية كانت تدفع للجزائر 20% من ميزانيتها كل عام، عقب عقد معاهدة السلم والصداقة سنة 1795 التي أبرمت بين الطرفين، وما لبث الداي حسن إلا وغير من الاتفاقية واشترط على الأمريكيين بناء سفينة عوض أن يدفعوا الجزية نقدا، حيث كتب جورج واشنطن في مذكراته: أنه كان يشعر بالإذلال الشديد وماعليه سوى الانصياع وتنفيذ الأمر.
إن هذه المكانة التي كانت تحظى بها الدولة الجزائرية هو فيض من غيض، فقد كانت هناك وقائع أعظم يشهد لها العدو قبل الصديق على عظمتها وتأثيرها على المستوى الدولي، فتأريخ كهذا التأريخ العظيم، يعلم الإنسان الدروس والعبر ويسرد لنا زمنا كنا نحن أسياده ويجعلنا أكثر وعياً في فهم الحاضر وأقدر على اتخاذ الخطوات المناسبة لبناء المستقبل.