6 قراءة دقيقة

الأنثروبولوجيا الاستعماريّة ..


بقلم: ذكرى عماد الدين

   تقوم الحضارات بالعلم ويقودها الإنسان العارف بمقوّمات بنائها ومعاول هدمها، وقد كنّا يوما ما سادة للأمم وها نحن اليوم ميدان استعمار من طرف أمم أُخرى، وما كانت ليكون لها سبيل إلينا إلّا بما سبقتنا إليه من علوم وإعتناء بها، ربّما يرى البعض أنّها العلوم التّكنولوجيّة أو التّقنية من صنعت الفارق بيننا وبين العالم الغربيّ اليوم، ناسين أو متناسين دور العلوم الإنسانيّة في الأخذ بيد الدّول الاستعماريّة الكبرى نحو وجهة العالم الاسلاميّ الّذي استغلّت ثرواته وحاربت مقوّماته واستباحت ممتلكاته حتى روحه لتجعل منه مسخّرا لخدمة مصالحها الإقتصادية والسياسية...إلخ من أيّام الاستدمار، وحتّى يومنا هذا نحتاج وقفة مع التّاريخ  بين يدي الماضي حتّى نتقدّم ونرمّم ما هُدّم حيث يقول أرنست رينان [1823_1892] " إنَّ رجال التّقدّم بأتمّ معنى الكلمة هم أولئك الّذين يجلّون الماضي كثيرًا." وإذا كان التّاريخ يعيد نفسه فالمستقبل هو ابن التّاريخ، و وارث صفاته وحامل جيناته، و من بين العلوم الإنسانية التي لها ارتباط قويّ بالتّاريخ والاستعمار علم الأنثروبولوجيا.

   قد يكون الاستعمار بمفهومه التّقليديّ قد انهار إلّا أنّ بعض مظاهره و سياساته، الّتي طالما رافقته لا تزال نشطة ليوم النّاس هذا، وخاصّة تلك الّتي تتّسم بالطّابع الثّقافي منها، اذ أنّ ظلالها لازالت تخيّم على واقع العالم العربيّ والاسلاميّ عامّة، وعلى الجزائر خاصّة، فقد كان للمستشرقين والدّارسين الأنثروبولوجيّين اسهامات كبيرة في خدمة الأجندة الاستدماريّة لاجتثاث الهويّة الجزائريّة، وتمهيدا لجعل الجزائر ميدانا جديدا للمواطنة الفرنسيّة ولكن بمفهوم آخر. 

   وربّما لم يتغيّر الواقع اليوم كثيرا عمّا كان عليه في الماضي فإنّه للسّيطرة على أي شعب لا بدّ من معرفة أنظمته الثّقافيّة والاجتماعيّة، وتعتبر الأنثروبولوجيا المعرفة الّتي تكشف عن تلك الحقائق وتساهم بفاعليّته في السّيطرة على الشّعوب.

    وقد تميّزت الدّراسات الأنثروبولوجيّة بتعدّد المواضيع الّتي كانت تحاول فهم حقيقة التّركيبة المجتمعيّة للجزائر والوصول إلى بنيته الإجتماعيّة والثّقافيّة والإقتصاديّة والدّينيّة والسّياسيّة والرّمزيّة -الخفيّة منها والظّاهرة- ممّا يعني أنّ تلك الدّراسات الّتي تعتمد على الملاحظة قدّمت خدمات جليلة للمستدمر عن المجتمع الّذي يريد السّيطرة عليه وبالتّالي إحكام قبضته عليه بنوع من السّهولة لم تكن لتتأتّى لولا هذه الدّراسات يؤكّد ذلك الباحث -ريفي- بقوله:

 "لا يوجد استعمار جيّد دون اثنولوجيا محكمة ولا يمكن أن يتمّ الاستعمار بالتّجريب، حين تساعد أضواء الملاحظة العلميّة على إتمامه وبمعدّل نجاح كبير".

   وما يثبت أكثر ولوغ هذا العلم في خدمة السّياسات الاستعماريّة واستحلال الشّعوب ما قاله الباحث الانجليزيّ والأنثروبولوجيّ إ.بيريتشارد: "فإذا كانت السّياسة الاستعماريّة لحكومة ما تقوم على حكم شعب من الشّعوب بواسطة رؤسائه فمن المفيد أن نعرف من هم هؤلاء الرّؤساء؟. وما هي وظيفتهم وسلطتهم وامتيازاتهم، فإذا سلّمنا بأنّ حكم شعب ينبغي أنْ يتمّ وفقا لشرائعه الخاصّة، وعاداته الخاصّة، فيجب أوّلًا أنْ نكتشف هذه الشّرائع وهذه العادات"

   وقد تمّ تسخير هذا العلم من طرف الاحتلال لاستدمار الشّعوب بواسطة استغلال المعلومات المجتمعه عن الأهالي، والّتي سمحت لهم بنهب خيراتهم الاقتصاديّة، وسلبهم مقوّماتهم الثّقافيّة بعدّة وسائل وطرق كالتّجهيل والإفقار والقتل .. الخ.

  وها هو_ألكسيس دوتوكوفيل_ في إحدى مراسلاته الاستعماريّة الّتي تطرّقت لمعرفة ودراسة المجتمع الجزائري يقول: "عندما نتمكّن من اللّغة ومعرفة الخلفيات وممارسات العرب وعندما نتمكّن من اكتساب نفس الهيمنة الّتي يكنّها هؤلاء الرّجال للحكم السّابق [الحكم التّركيّ] عندئذ يصبح المجال متاحا لنا لممارسة أساليبنا في الحكم، ومن ثمّ فرنسة البلاد، ولفّها من حولنا" فما هي أساليب الحكم تلك الّتي عمدت فرنسا من خلالها الى اظهار أفراد هذا الشّعب كيتامى للتّاريخ دون ماض وخاصّة في ظل غياب الدّراسات التّاريخيّة من الجانب الجزائريّ في الفترة الممتدّة ما بين [1830_1954] في مقابل ظهور كتابات وفيرة للمستدمر الفرنسيّ في هذا المجال، و الّتي غلب عليها تزييف الحقائق وتنظيف تاريخ فرنسا ضدّ ما ارتكتبه في حقّ الشّعب الجزائريّ من جرائم ضدّ الإنسانيّة، بل وعملت على تكريس النّظرة المتعالية و تمجيد المركزيّة العرقيّة والتّفوّق الحضاريّ المزعوم سعيا منها لغرس عقد النّقص في المجتمع الجزائريّ من خلال تشويه الوقائع والأحداث، وإلى محاولة طمس هويّة هذا الشّعب وإذلاله.

   في حين كانت بعض الأطراف من المستشرقين  تسوّق هذه السيّاسة الاستدماريّة على أنّها تحضّر وتمدّن للمجتمع الجزائريّ وإحياء لعصر الرّومان المزدهر؛ لأنّهم رأوا في التّوسّعات الإسلاميّة بالجزائر سببًا للتّقهقر والاضطراب الّذي عرفته البلاد في جميع الميادين الحياتيّة..؟؟؟؟؟

   وصاحبه في ذات الوقت تبرير التّواجد الميدانيّ والسّيطرة العسكريّة، الّتي كانت زعما بأنّها ستقود الشّعوب إلى التّقدّم والتّحضّر والمدنيّة من جهة ومن جهة أخرى إذلال وامتهان لعلم الإنسان الّذي كان من المفروض أن يكون جسر لتواصل الشّعوب والتّبادل الثّقافيّ بينها.


   فإذا كنّا طيلة السّنين الماضيّة موضوعًا للبحث فمتى ننتقل من موضوع إلى فاعل، أم أنّنا اليوم نقبع تحت مرحلة الممارسة كميدان لتطبيق بحوث أنثروبولوجيّة أخرى لكن بوسائل أكثر خبثًا ودهاءً..؟ والّا فبما نفسّر ما يحدث على مستوى قطاع التّربيّة والتّعليم اليوم عن طريق محاولات لضرب -ليس فقط لهويّة الأمّة الجزائريّة- بل حتى لقدرات الفرد الجزائريّ بمراحل جدّ حسّاسة وتحت اشراف وزيرة تربية مختصّة في العلوم الإجتماعية، و باحثة أنثروبولوجيّة ؟.  فكيف سيواجه الشّعب الجزائريّ هذا المدّ الاستدماريّ لمقوّماته اليوم.. ؟.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة