4 قراءة دقيقة

 بقلم الكاتبة: عقون حكيمة




   كنتُ أسيرُ في شوارع لندن مع زوجي، وفي طريقنا إلى الفندق التقينا بمجموعة من الأشخاص يبدو أنّهم عرسانُ من مزيج هنديّ إنجليزي ..يحملون هودجاً، وعلى الطرف الآخر يمتطي العريس حصاناً عربيّاً أصيلاً، ويتفنّن في عرض مهاراتِ الفروسيّةِ أمامَ الملأ ، وقد دفعه الفضول للاصطفاف أمام الرصيف المقابل للفندق للاستمتاع بالمشهد. كنتُ أنا وزوجي نتابع المشهد في ذهول... ها هي الفرقة الموسيقية تعزف أحلىٰ النغمات الإنجليزية الشهيرة ..لتتبعها فرقة أخرىٰ تغنّي أغانيَ هنديّة لم أستوعب كلماتها. وبعد لحظات بدأتُ أسمع أهازيج لسيّارات... صاحَبها صوت شاب إنجليزي يغنّي الأغنية الشهيرة "oh my darling climentaine" اعتقدتُ لوهلةٍ أنّ المقصودة هي العروس الهنديّة الجالسة داخل الهودج، بينما كانت أنظار المتفرّجين متّجهة نحو يد المطرب ..كان ينظر إليها بحنان وكأنّها تخفي كنزاً مكنوزاً .. أشار إليّ زوجي بدخول الفندق ، لكنّ الفضول كان قد تمكّن منّي لمتابعة المشهد.. وفجاة ظهرت امرأة مسنّة تبدو من ملامحها أنّها عربيّة... تنادي بصوت مرتفع : «أليس» بُنَيَّ ما الذي دهاك؟

  لقد توفيت.. قتلها هؤلاء الأشرار... وتوجّهتْ بنظرها نحو العرسان قائلة :حسبيَ الله ونعم الوكيل فيكم ، لقد كانت حبيبة طفلي وقتلتموها دون رحمة.. لم أستوعبْ أنا وزوجي ولا الحضور ما حصل ..لكن فجأة وصلت سيارة الشرطة إلى المكان وطوّقته.. محاوَلةً منهم التحقيق في الجريمة الخطيرة التي تحدّثتْ عنها العجوز.. قصدَ الضابط الإنجليزي الهودج للتحقّق إذا ما كان المجرمون قد خبّأوا الجثّة المزعومة هناك، وما أن رُفِعَ الستار عن وجه العروس حتّى انبهرَ الحاضرون بجمالِ الفتاة الهنديّة التي كانت شبيهةً بدمية «باربي» أصلية يخلو وجهها من مختلف مساحيق التجميل التي عهدناها في عصرنا. بعد التحقيق مع أهل العريس والعروس تبيّن أنَّ الشاب هنديٌّ من أصل إنجليزي .. وأنّ الفتاة هنديّة قدمت إلى لندن من أجل زفافها. لم يتوقّف ذلك الشاب عن ترديد الأغنية ووالدته تقوم بتهدئته بين الفَينة والأخرى.. وما زادَ المشهدَ غموضاً توجّه أنظار العجوز وابنها إلىٰ يده من وقت لآخر... نبّه أحد الحضور الضابط إلى الأمرِ وإذا به يتجه نحو الشاب ويفكّ قبضة يديه بصعوبة نظراً لرفض الشاب ...وإذا به يجد بها قطعة قماش ..لم يفهم السرَّ الكامن وراءها، لكنّ العجوز سحبتها من بين يديه صارخة في وجهه قائلة: هذه حبيبة ابني... كان مارّاً بها وقام أحدهم بدعسها ..ولم يتحمّل ابني الأمر فأصابه الجنون لأنها رفيقته في السرّاء والضرّاء ..كيف سأستعيد ابني الآن وهل يعلم هؤلاء ما تسبّبوا فيه؟؟؟" ضغطْتُ على كتف زوجي في حيرة متسائلة: ماذا قتل هؤلاء؟ وما الذي تسبّب في جنون هذا الشاب؟؟؟ بعد برهة تقدّم شيخ طاعن في السنِّ نحو الضابط، وراح يشرح الوضع قائلاً: هذا ابني الياس، ونحن من بلد عربي ضاق بنا الحال، فقدمنا إلى لندن... ولأنّ ابني مصابٌ بالتوحّد فقد ربّىٰ نملة منذ يوم فقسها. وسمّاها «كليمنتاين».. وأصبح يعتني بها ويقصّ عليها يومياته، وأصبحت رفيقته الوحيدة نظراً لحالته الذهنية. واليوم بينما كان مارّاً دعس أحدهم كليمنتاين ..لم يتمالك ابني نفسه ودخل في صدمة حادّة ..وها هو أمامك.. مفطور القلب حزينا على رفيقته". تأثّرتُ أنا وزوجي والحضور بالمشهد، فرغم أن ما حدث يستدعي الضحك إلاّ أنّ ما آل اليه حال "الياس" الذي غير اسمه إلىٰ «أليس» ليتناسب مع تسمية حبيبته ورفيقته "كلمنتاين" يستدعي البكاء والنظر إلى ما آل اليه وضع الشباب العربيّ في ظلّ الأزمات المتلاحقة بدوله.. فقد فضّل الارتماء في أحضان الأوهام على عيش واقع أليم يزيد حالته سوءً.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة