وبدأ العرب باستخدام التقدّم العلميّ والصناعيّ في جميع النواحي، كوسائل المواصلات، وألعاب الفيديو الحديثة، والتلفازات ثلاثيّة الأبعاد، والحواسيب المحمولة وغير المحمولة، ولكنَّ شيطان هذا العصر، ذلك التخلّف الذي يكون في أيديّ الجميع، فينسون أمامه كلَّ من حولهم حتَّى أنفسهم، وكأنَّهم في مخدّر دائم لحشيش أو أفيون، وما زادت الهواتف على أن فكّكت الشخص بجميع حواسّه فحسب، بل زادت على أن قذفت بهِ في النار؛ لأنَّه نسى ربّه في الصلوات المفروضة، وتناسى دوره في واجباته المنسيّة، ونسيَ وتناسى، ثُمَّ نسيَ وتناسى، وكأنَّ الهاتفَ هو خير صديق وأفضل الأمّهات وأحسن الآباء وأقدر على القضاء.
فقدتكم أمهاتكم جميعًا، وفقدتكم تلك الهواتف التي تحبّونها إلى حدِّ العشق الظاهر في حضرة عيونكم، والأصابع تلعب وتضغط على شاشة لا تساوي في الدنيا شيئًا، والناس يتباهون بحمل الهواتف الحديثة ثُمَّ الأحدث فالأحدث، ومثلُ ذلك كمثل الجاهل العازم على القراءة والمطالعة، فلا يستخلص من الكتاب إلّا أشكال الحروف ورسم الغلاف، ومع ذلك فهو أجهلُ الناس بقيمة الكتاب، وما فيه من معلومات سواء في بحور الشعر، أو في محيطات النثر، لتشبع رغبة القارئ، وما هو بقارئ ولا بنصف قارئ، فيحمل الكتاب بين الناس ليشيع بينهم أنَّه المثقف الوحيد في هذه البلد، والثقافة لهذه البلد لا تعني شيئًا في عيون الناس غير أنَّ الكاتب عبارة عن شخص يملأ فارغات الورق الأبيض بالحبر الأسود، ولا سِيَّما شؤم الكاتب على حرفة الأدب الأسود، وما أشأم حرفة الأدب على الكُتّاب.
وصار دور الهاتف الرئيسي هو تصوير كلّ لحظة نفرح فيها أو نبتأس لها، في الفرح نصور الزوجين والأقارب وكعكة العروسين، و في العزاء نلتقط الصور والفيديوهات للكفن والقبر والمرحوم، وكأنَّ الهاتف يدمع بعيوننا ويضحك بثغرنا، وعندما تمتلئ ذاكرة الهاتف نمسح كلّ ذكرياته لا ذكرياتنا، لم نستمتع باللحظة أوّلًا بأوّل، ولن نبكي بمشاعرنا إلّا والكاميرا عمياء في يدّ أحاسيسنا. أليس كلّ ذلك ضرب من الهُراء والمزاح. أنْ تكون مصوّراتي لحياتكِ، وأنتَ لا تحسّ بها، وبمرور حوادثها؟!
وظهرت الآنسات في هذا العصر بالصور والانفعالات الحقيرة القبيحة التي لا تحمل شيئًا في عين العاقل الفطن، كرجل شاب على الزمان ولا يرى الدنيا إلّا ثوابًا للقبر. وقد تبدو هذه الفتاة بضمّ شفتيها كدائرة لتبيّن جمال فمها وحسن شفتيها، وليخيَّل للناظر أنَّه يقبّلها من هنا، وتلعب بأذهان الشباب الذين من عمرها، والكلُّ يضع التعليق الرائع المُزيَّن بكلمات تحبّها، لتهدأ من سعار الحقارة في العالم الأزرق1 للصور والدردشة.
والفرح ينشر أكاذيبه في عقل والديها، ويتّخذا هذه الأعمال المسيئة العديمة للتربية والاحترام والأدب والشرف للمرأة العربيّة العريقة تحضّرًا وحرّيّةً، وأمّا بعد كلّ هذا يقولا لها: أتصادقين شباب الجامعة؟. وهي تتمتم بصوت رقيق عذب: نعم أصادقهم.
وحينئذٍ يظفر الاحمرار ينبثق من وجنتيها كاحمرار أشعّة الشمس حين تغرب عن لسان العصر، وما أدراك ما بعد الغروب؟؟. ذاكَ السواد القاتم المظلم المنحطّ بأخلاق مبتذلة، فهي لا تحبّ تغيير مبادئها، ولكنَّ الأمّ والأب بمثابة التغيير.
وتقول في نفسها، أو تقول نفسها لها: هذا هو السنّ الذي تمنّيتُ الوصول إليه، ليزعُما أنّني لا أحتاج لهما؛ ولا أعتد بعد ذلك بما يأمران، وبعد كلّ هذا وذاك تصادق الشباب برابطة تظهر نفي المرأة عن جنسها، وينعدم ذاكَ الجنس من النقصان الطبيعي في الدينا، حتّى أصبح النقص بسالبٍ كبير، ودائرة فارغة، وامرأة فاجرة، فإذا هنَّ ناقصات عقل ودين من رحمة الله، وإذا هنَّ سافرات متبرّجات ناقصات دين أكثر فأكثر، وإذا هنَّ ليس الجنس المحتشم فوق السفور، فالنقص يزداد أكثرَ فأكثر، وهنَّ الآن ناقصات حجاب واحتشام وخجل وحياء وصدق واحترام، فهنَّ لا يصلحن لرجال يمتازون بالدين والخلق والصدق والثقة وتقوى الله.
وما أبصرتُ في النساء والآنسات إلّا نقصانًا يزداد يومًا بعد يوم، حتّى يصير ذلك الجنس معدوم الإحساس والعطف والرغبة، فإذا هنَّ يُعِنَّ السيئات إلى الصعود، ويمحقن الحسنات إلى النزول، وينقلبن شياطينَ للجنس الآخر للميل الغريزيّ بألوان ملابسهن، ولا أقول في غير هذا الأمر إلّا أنَّ النساء كامرأة صمّاء بكماء عمياء لا تعقل من خلق الأرض ورفع السماء.
أمّا عن الرجال، فهذه في الأغلب مزحة ما، لأنّهم بجمعهم وشملهم ينظرون إلى للأجمل في الجمال، ولا للأفضل في الأخلاق، وفي هذا العصر الغريب بعض الغرابة، والعجيب أشدّ من عجائب الدنيا السبع. أريدُ القول لهم: إنَّ أجملَ الجمال جمال المصوّر، وأفضل الفضائل فضل القادر، وأروع الروائع روعة الحاضر.
وإنَّ اللهَ هو الواحد الأحد المصوّر الحاضر القادر على جمع الأخلاق والجمال، في إنسانة لها المثل، وشبه الكمال، وقلّة النقصان، وهنا يكمن الجمال النسبيّ، وبالتأكيد هو نسبيٌّ.
وإمّا عن الأخلاق اليافعة الشامخة السامية كنقش العلم على حجر في الصغر، فالأخلاق هي الكلمة الوحيدة التي تشعر فيها بارتياح وحسن المنال، و ورد المنى، وفوح الأطياب من ثناياها؛ لأنَّها بحقّ الثقة و الاحترام، وبحقّ الجمال الأجمل من الجميلات، وبحقّ الحياة وما فيها من روائع الدنيا السبع، وهي بالأخلاق روائع الدنيا العشر، فوالله تالله بالله الخلق في الدنيا بثلاث روائع في الخاءِ واللامِ والقافِ.
هذه التسمية أستمدّها كم كتابات أستاذنا الأديب ومعلمنا الأريب محمد بن يوسف كرزون، واصفاً بها الشبكة الفيسبوكية.